الشيخ الطبرسي

69

تفسير مجمع البيان

يوصف سبحانه بكونه قادرا على ما لا يصح أن يكون مقدورا في نفسه ، مثل ما تقضى وقته مما لا يبقى . ثم وصف سبحانه نفسه فقال : ( الذي خلق الموت والحياة ) أي خلق الموت للتعبد بالصبر عليه ، والحياة للتعبد بالشكر عليها . وقيل . خلق الموت للاعتبار ، والحياة للتزود . وقيل : إنما قدم ذكر الموت على الحياة ، لأنه إلى القهر أقرب ، كما قدم البنات على البنين في قوله ( يهب لمن يشاء إناثا ) الآية . وقيل : إنما قدمه لأنه أقدم ، فإن الأشياء في الابتداء كانت في حكم الأموات ، كالنطفة والتراب ، ثم اعترضت الحياة . ( ليبلوكم أيكم أحسن عملا ) أي ليعاملكم معاملة المختبر بالأمر والنهي ، فيجازي كل عامل بقدر عمله . وقيل : ليبلوكم أيكم أكثر للموت ذكرا ، وأحسن له استعدادا ، وأحسن صبرا على موته ، وموت غيره ، وأيكم أكثر امتثالا للأوامر ، واجتنابا عن النواهي في حال حياته . قال أبو قتادة : سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قوله تعالى ( أيكم أحسن عملا ) ما عنى به ؟ فقال يقول : ( أيكم أحسن عقلا . ثم قال : أتمكم عقلا وأشدكم لله خوفا وأحسنكم فيما أمر الله به ، ونهى عنه نظرا ، وإن كان أقلكم تطوعا ) . وعن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه تلا قوله تعالى : ( تبارك الذي بيده الملك ) إلى قوله ( أيكم أحسن عملا ) ثم قال : ( أيكم أحسن عقلا ، وأورع عن محارم الله ، وأسرع في طاعة الله ، . وعن الحسن أيكم أزهد في الدنيا ، وأترك لها ( وهو العزيز ) في انتقامه ممن عصاه ( الغفور ) لمن تاب إليه أو لمن أراد التفضل عليه بإسقاط عقابه . والتكليف إنما يصح بالترغيب والترهيب ، لأن معناه تحمل المشقة في الأمر والنهي . ثم عاد سبحانه إلى وصف نفسه فقال . ( الذي خلق سبع سماوات ) أي أنشأهن واخترعهن ( طباقا ) واحدة فوق الأخرى . وقيل : أراد بالمطابقة المشابهة أي : يشبه بعضها بعضا في الإتقان والإحكام ، والاتساق والانتظام . ( ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ) أي اختلاف وتناقض من طريق الحكمة ، بل ترى أفعاله كلها سواء في الحكمة ، وإن كانت متفاوتة في الصور والهيئات ، يعني في خلق الأشياء على العموم . وفي هذا دلالة على أن الكفر والمعاصي ، لا يكون من خلق الله تعالى لكثرة التفاوت في ذلك . وقيل . معناه ما ترى يا ابن آدم في خلق السماوات من عيب واعوجاج ، بل هي مستقيمة مستوية كلها مع عظمها .